1

نزار بركة من الرباط.. المستشفى العمومي هو الركيزة السيادية للدولة الاجتماعية

نزار بركة من الرباط.. المستشفى العمومي هو الركيزة السيادية للدولة الاجتماعية

A- A+
  • في محطة فكرية وسياسية بارزة تشتبك مع الراهن المجتمعي المغربي، احتضنت العاصمة الرباط  يوم أمس الخميس 25 يونيو 2026 ندوة وطنية نظمتها رابطة الأطباء الاستقلاليين تحت عنوان “المستشفى العمومي والعرض الصحي بالمغرب: طموحات ورافعات الإصلاح”. الندوة شكلت منصة لإطلاق نقاش عميق حول مستقبل المنظومة الصحية في ظل التحولات الهيكلية التي تشهدها المملكة، وكان أبرز معالمها الخطاب الشامل الذي ألقاه الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، والذي وضع فيه النقاط على الحروف بشأن فلسفة الحزب ورؤيته لبناء “الدولة الاجتماعية” الحقيقية.

     

  • استهل بركة كلمته بوضع اللقاء في سياقه السياسي الأوسع، معتبراً إياه تجسيداً لتجديد الحزب لتعاقده مع المواطنين بناءً على الوضوح والمسؤولية. واستحضر الأمين العام الالتزامات السياسية الكبرى الخمسة التي قدمها الحزب في مجلسه الوطني، والمتمثلة في: حماية الأسرة ومنظومة القيم، وحماية القدرة الشرائية ومحاربة الريع، وإقرار سياسة “صفر تسامح” مع الفساد وتضارب المصالح، والتمسك بالمرفق العمومي كخط أحمر، وأخيراً جعل سيادة المغرب أولية مطلقاً فوق كل اعتبار في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والماء.

     

    وفي تفكيكه لواقع القطاع الصحي، أكد نزار بركة أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، نجح في كسب رهان تاريخي غير مسبوق يتمثل في تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتحويل الحماية من مخاطر المرض إلى حق ملازم للمواطنة. إلا أن هذا النجاح – بحسب بركة – يضع البلاد اليوم أمام تحدٍّ استراتيجي ثانٍ لا يقل أهمية، وهو الانتقال من “الحق القانوني” إلى “الولوج الفعلي”، مبرزاً أن بطاقة التأمين تمنح الحق، لكن المستشفى والطبيب والممرض هم من يحولون هذا الحق إلى واقع ملموس يحفظ كرامة المواطن.

     

    وشدد الأمين العام على أن المستشفى العمومي ليس مجرد مقدم خدمات عادٍ يتنافس مع القطاع الخاص، بل هو “القلب السيادي” للمنظومة برمتها. وفي مقاربة صريحة اتسمت بالمكاشفة، استعرض بركة أرقاماً دالة صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تكشف أن أزيد من 95% من نفقات التأمين الصحي لمنخرطي صندوق (CNSS) وأكثر من 80% لمنخرطي (CNOPS) تتجه نحو القطاع الخاص، مستنتجاً أن استدامة نظام التغطية الصحية مهددة في عمق توازنها المالي إذا استمر نزيف التمويلات نحو العرض الصحي الأعلى تكلفة، مما يجعل الاستثمار في المستشفى العمومي خياراً اقتصادياً حتمياً وليس مجرد التزام اجتماعي.

     

    ولم يقف الخطاب عند حدود التشخيص، بل قدم خارطة طريق متكاملة للخروج من منطق “تدبير الأزمة” إلى “بناء المستقبل”، مرتكزة على خمس رافعات أساسية. تمثلت الأولى في إعادة بناء خط الدفاع الأول عبر “طب القرب”، من خلال إقرار طبيب مرجعي لكل مواطن وتفعيل الرقمنة والتطبيب عن بُعد لتقليص الفوارق المجالية. أما الرافعة الثانية، فدعت إلى تحرير المستشفى العمومي من قيود المركزية ومنحه استقلالية حقيقية في التدبير مقابل التعاقد على النتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة، في تنسيق متكامل بين المجموعات الصحية الترابية والهيئة العليا للصحة.

     

    وفي شق التمويل، اقترح الحزب إدراج ميزانية واضحة ومستقلة للمهام السيادية غير الربحية (كالمستعجلات والأمراض النادرة) في قانون المالية، مع إحداث “صندوق وطني للاستثمار الاستشفائي” لتحديث البنيات التحتية والمنصات التقنية. كما أفرد الخطاب مساحة واسعة للرأسمال البشري، داعياً إلى ميثاق جديد مع مهنيي الصحة يرتكز على الأجور الجاذبة وتحسين ظروف العمل والتحفيز على الاستقرار في المناطق الصعبة، لوقف نزيف هجرة الكفاءات الطبية التي تكلف الدولة استثمارات باهظة.

     

    وجاءت هندسة إصلاح قطاع المستعجلات كإحدى أقوى نقاط الخطاب، حيث دعا بركة إلى “ثورة حقيقية” تنقل المنظومة من منطق “نقل المريض نحو العلاج” إلى “نقل العلاج نحو المريض”. واقترح الحزب إحداث “وكالة وطنية للمستعجلات الطبية” تضع القواعد والمعايير الموحدة للقطاعين العام والخاص، على أن تتولى المجموعات الصحية الترابية التنفيذ الميداني.

     

    هذه الرؤية ترتكز على نظام فرز طبي وطني صارم يعتمد على خطورة الحالة لا على أسبقية الوصول، وتدعمها منصة رقمية لمعرفة توفر الأسرة الشاغرة وغرف العمليات وسيارات الإسعاف في الزمن الحقيقي. كما دعا إلى دمج الوقاية المدنية كحلقة أولى في سلسلة الإنقاذ، وتوفير مروحيات صحية لفك العزلة عن المناطق الجبلية والنائية، مع جعل طب الطوارئ تخصصاً جذاباً بمسارات مهنية محفزة للأطباء والممرضين.

     

    واختتم الأمين العام لحزب الاستقلال عرضه بالتأكيد على أن الحزب لا يؤمن بصراع القطاعات، بل بالتكامل الذكي

    والمستدام بين القطاعين العام والخاص، شرط أن تظل المصلحة العامة هي القائد والموجه، خاصة في الحالات المستعجلة التي ترتبط بإنقاذ الأرواح.

     

    وأنهى بركة قراءته السياسية بربط معركة المستشفى العمومي بمعركة الثقة في الدولة ومؤسساتها، مؤكداً أنه لا معنى للاستقلال دون كرامة المواطن، وأن المغرب الجديد الذي يبني سيادته الاقتصادية والطاقية ملزم اليوم ببناء “سيادته الصحية”، ليكون وطناً متضامناً يسير بسرعة واحدة، لا يخاف فيه المواطن من المرض، ولا يرتبط فيه الحق في العلاج بالقدرة المالية أو الموقع الجغرافي.

     

     

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    تفاصيل الأحكام الكاملة في ملف “إسكوبار الصحراء