بوح الأحد: ورش التربية و التعليم الأسئلة الحارقة، أين وصل المغرب و إلى أين يسير
بوح الأحد: ورش التربية و التعليم الأسئلة الحارقة، أين وصل المغرب و إلى أين يسير، عَمَى شيخ ” لام ألف ” و حقيقة زائد صفر في التحليل، ملك في عز حماية الدستور، تواصل خريف و تساقط الطوابرية و العطاء المستمر، حموشي من ورش إلى آخر، و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
بحلول شهر يونيو من كل سنة تنشغل ملايين الأسر المغربية بامتحانات الطلبة والتلاميذ طيلة الشهر كله، ومع هذا الانشغال يعاد طرح الأسئلة نفسها عن المنظومة التربوية والتعليمية في المغرب ونجاعتها، بمدخلاتها ومخرجاتها، ومواردها المالية والبشرية، ومناهجها وبرامجها.
لا تخلو أسرة في المغرب من متمدرس على الأقل، ولذلك فالتعليم قضية تهم كل المغاربة بمختلف فئاتهم، وهي تحتل الأولوية القصوى لأنها الاستثمار الأسري الذي يتمنى أولياء الأمور حصد “نجاحه” وجني ثمرته في نهاية مسارهم بعد عمر طويل.
تشير الأرقام الخاصة بهذا الموسم إلى أن عدد التلاميذ بلغ حوالي 8 ملايين و271 ألف تلميذا وتلميذة، ويرتفع هذا العدد سنويا بما يقارب ال730 ألف تلميذا وتلميذة، ويضاف إليهم ما يناهز المليون و300 ألف طالبا.
يمثل التعليم العمومي وسط هذه الأرقام النسبة الأكبر، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدد التلاميذ بالتعليم العمومي يزيد عن 7 ملايين و4 آلاف تلميذة وتلميذ.
وحده قسم البكالوريا هذا العام شهد عددا فاق نصف المليون، حيث بلغ عدد المجتازين للامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا خلال دورة 2026 تقريبا 528 ألفا و135 مترشحة ومترشحا منهم 426 ألفا و637 من المترشحين المتمدرسين والباقي ضمن المترشحين الأحرار.
نحن إذن أمام ثروة بشرية مهمة للمستقبل لأن هذه الملايين، إن أحسن تربيتها وتعليمها وتأهيلها، ستتسلم المشعل عن هذا الجيل وتبني المغرب المنتظر مسايرة تطور عصرها ومتعايشة مع تحولاته ومتمسكة بجذورها وأصولها ومعتزة ب”مغربيتها”.
يخضع هذا العدد المرتفع للتأطير من طرف أكثر من 299 ألف أستاذة وأستاذ، موزعين على ما يفوق 12 ألفا و441 مؤسسة تعليمية، منها 6886 بالوسط القروي. هل هذا العدد من المؤطرين والمؤسسات كاف لكل هذه الملايين؟ هل جميعهم يؤدي مهمته بالشكل المطلوب؟ هل منظومة تدبير مسارهم المهني تتضمن حوافز لأداء واجبهم كما ينبغي؟ هل منظومة التقييم عادلة وناجعة ومسايرة للتطورات التي يعرفها هذا الحقل في العالم؟ هل ما يتلقاه المتمدرسون يتلاءم مع متطلبات الواقع وحاجيات المستقبل؟
بذل المغرب منذ عقدين مجهودا كبيرا في تعميم التعليم على كل من وصل سن التمدرس، ولكن ما يزال أمامنا طريق طويل لأن الأرقام الحديثة التي كشفها الإحصاء العام الأخير للسكان والسكنى تبين أن نسبة الأمية بالمغرب ما تزال في حدود 24,8% من مجموع السكان البالغين 10 سنوات فما فوق، أي أننا ما نزال نعالج الآثار السلبية لظاهرة يلزم القطع معها بشكل نهائي في عالم وقوده الأساسي هو المعرفة. تزداد الصعوبة تجاه هذه النسب إن علمنا أنها تتسع وسط الإناث لتصل إلى 32,4% مقابل 17,2% لدى الذكور، وترتفع بمتوالية أكثر وسط الفئات العمرية المتقدمة، لتصل إلى 51% وسط الأشخاص البالغين 50 سنة فما فوق، وتكرس أكثر التفاوتات المجالية حيث تبلغ في الوسط القروي 43,4% مقابل 19,3% بالوسط الحضري. ألسنا بهذه الأرقام أمام تعليم ينتج الفوارق؟ أليس من الاستعجال العمل المكثف من أجل ردم هذا التباين الذي يكرس التفاوت المجالي؟
يبذل مجهود كبير وتظهر آثاره في منسوب الوعي داخل المجتمع، فقد انخفضت نسبة الأمية من 32,2% عام 2014 إلى 24,8% عام 2024. ولكن ما يزال المطلوب منا كبير لتصفير هذه الخانة التي لا تشرف بلادنا.
أمامنا ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن الأمية وهي نسبة الهدر المدرسي المرتفعة والتي تهدد بعض الفئات المنقطعة بالعودة تدريجيا لمربع الأمية، وخاصة المنقطعون في فترة التعليم الأساسي. تشير الأرقام إلى أن ما يقارب 280 ألف تلميذا وتلميذة غادروا مقاعد الدراسة خلال عام 2025. هي ظاهرة مركبة وأسبابها متداخلة ولكن الاستسلام لها خطير على مغرب المستقبل إن لم نتداركه مبكرا وبجدية ونجاعة.
تزداد الخطورة إن علمنا أن الهدر يطال مستويات تعليمية عليا، حيث تنطق الأرقام مرة أخرى بحقائق صادمة. نصف الطلبة في الجامعات تقريبا يغادرون مقاعد الجامعة دون الحصول على أي شهادة جامعية.
تتكرر هذه الأرقام كل سنة، ويتزايد عدد محلليها ودارسي أسبابها ومظاهرها ونتائجها، ولكن بدون وضع حد لها بالسرعة اللازمة مما يضع مدبري السياسة التعليمية أمام اختبار حقيقي تجاه المغاربة وأمام مسؤولية عظمى تجاه المستقبل.
كثيرة هي الأسئلة التي تتناسل في أحاديث المغاربة خلال هذا الشهر على وجه الخصوص وتتطلب أجوبة من المشرفين على السياسة العمومية في هذا المجال. لا يمكن الارتكان إلى الأسباب الموضوعية لتبرير هذه الوضعية لأن دولا مشابهة عانت من أكثر منها ولكنها تخلصت من آثارها وانطلقت بسرعة قياسية وتعيش لحظة جني الثمار.
على النقيض مما سبق، تبرز الأرقام كذلك تفوق التلاميذ والطلبة المغاربة دوليا في الكثير من التخصصات، ويحصدون جوائز دولية في مجالات معرفية تتطلب ذكاء خارقا، ومنهم من يحصد أعلى الدرجات ويتصدر لوائح الترتيب في كبرى الجامعات والمعاهد الدولية، ومن هؤلاء من قضى شطرا لا بأس به من تعليمه الأساسي والثانوي في المدارس المغربية. أين يوجد الخلل إذن؟
حجم الإنفاق على هذا القطاع مهم وصل هذه السنة97 مليار درهم مما يضع المغرب ضمن كوكبة البلدان الأوائل من حيث نسبة الإنفاق على التعليم مقارنة مع ناتجه الداخلي الخام. ولعل هذا ما يجعلنا نطرح سؤال الحكامة والنجاعة كأولوية.
يعي المغاربة كلهم أن الاستثمار في التعليم الجيد ربح كله، وأنه محدد لطبيعة الإنسان المغربي في المستقبل، وكذا طبيعة الأسرة المغربية، وطبيعة مغرب المستقبل. ولذلك تجد الكل منشغل بتقليب هذا الموضوع وإثارته من مختلف الزوايا خلال هذا الشهر لفهم وتبرير حالة عدم الرضى.
علينا جميعا أن نتخلص من التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الغير ومعالجة وضع هذا القطاع بمقاربة تستبعد الذات لأن لكل نصيب في هذا الوضع.
المسؤولية الكبرى تتحملها الهيئات العمومية التي أسندت إليها أمانة (وأركز على كلمة الأمانة) الإشراف على تربية وتعليم وتأهيل أبناء وبنات المغاربة. مطلوب من هذه الهيئات أن تقدر هذه الأمانة حق قدرها. قد يتسامح في قطاعات أخرى لتحضر فيها المزايدات والحسابات ولكن هذا القطاع لا يقبل المجازفة والمغامرة لأن الخطأ فيه يعصف بأجيال ويترتب عنه مغرب لا يتماشى مع اتجاه العالم مما يضعنا في حالة تخلف جيلي سندفع ثمنه مضاعفا في المستقبل.
المسؤولية تتحملها كذلك الأسرة التعليمية -بكل مكوناتها- التي لا يمكن أن تتعلل بقلة الإمكانيات وغياب ظروف الاشتغال وضعف الحوافز لأن العمل في التربية والتعليم وحده حافز ومسؤولية واستحضار الحد الأدنى من قدرها يدفع رجال ونساء التعليم إلى بذل مجهود ستكون له نتائج مهمة.
المسؤولية تتحملها كذلك الأسر التي يتطلب الرفع من مستوى تمدرس أطفالها مساهمة منها بالمواكبة والدعم والتحفيز والمراقبة.
المسؤولية تتحملها كذلك جمعيات المجتمع المدني ووسائل الإعلام التي عليها دور المساعدة والتحفيز والتنبيه والمشاركة في صنع نظام تربوي وتعليمي ناجح.
ونحن على أبواب نهاية الموسم الدراسي يجب أن نستغل هذه المناسبة والفرصة لوضع هذا النقاش المشتت في سكته الحقيقية، ونوجهه وفق بوصلة بنائية، ونحوله إلى حوار عمومي منتج لحلول، وخاصة أننا على أبواب محطة انتخابية يلزم أن تحضر فيها إجابات واقعية على أمثال هذه المشكلات.
لقد أولى جلالة الملك محمد السادس أهمية قصوى للتعليم، واعتبره في رسالة وجهها إلى المشاركين في المؤتمر الدولي 33 حول فعالية وتطوير المدارس عام 2020 “الركيزة الأساسية لتأهيل الرأسمال البشري، كي يصبح أداة قوية تساهم بفعالية في خلق الثروة، وفي إنتاج الوعي، وفي توليد الفكر الخلاق والمبدع”، وأوضح أن الهدف من التعليم هو “تكوين المواطن الحريص على ممارسة حقوقه، والمخلص في أداء واجباته. المتشبع بالقيم الكونية المشتركة، وبالإنسانية الموحدة، المتمسك بهويته الغنية بتعدد روافدها، وبمبادئ التعايش مع الآخر، والمتحصن من نزوعات التطرف والغلو والانغلاق”، وبين أن معيار قياس ذلك هو “الفعالية التي ننشدها لمدرستنا، ينبغي أن تقاس، بشكل جوهري، بمدى استجابتها للحاجيات والانشغالات الأساسية للشباب، باعتبارهم القوة المحركة للمجتمعات”، ومن تم وجب التركيز على نظام تعليم يمكن المتمدرسين من “المعارف والكفايات والمهارات والقيم واللغات والثقافة، التي تنمي وتفتح شخصيتهم، وتعزز استقلاليتهم، وتساعدهم على إبراز مؤهلاتهم وتحقيق ذواتهم، وترفع من فرص إدماجهم الاجتماعي والمهني، الذي طالما اعتبرناه حقا للمواطنات والمواطنين، وليس امتيازا لهم”.
لم يخف جلالة الملك انشغاله بالعدالة وتكافؤ الفرص، ولذلك شدد في تلك الرسالة المهمة على “مبدأ تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية والمجالية، وخاصة في المجال القروي والمناطق ذات الخصاص، ولفائدة الفتاة بالبوادي والقرى والأرياف، والأطفال في وضعية هشة، أو الذين هم في وضعيات خاصة، فضلا عن أبناء المهاجرين واللاجئين”، مع التأكيد على أن الغاية هي “الانتقال إلى نظام تربوي جديد، يقوم على تفاعل المتعلمين، وتنمية قدراتهم الذاتية، وصقل حسهم النقدي، وإتاحة الفرصة أمامهم للإبداع والابتكار، وترسيخ القيم لديهم”.
هذه بعض من التوجيهات الملكية لمدبري الشأن التعليمي، وقد تنوعت وتكررت معانيها في أكثر من مناسبة وبأكثر من طريقة، وما على الجميع إلا الاجتهاد في تفعيلها وتنزيل مقتضياتها لأن الورش الذي لا يمكنه الانتظار هو التربية والتعليم، وهو الورش الذي وإن بدأناه من السنة القادمة فإن ثماره لن تكون سريعة النضج والقطف، فالأمر يتطلب أجيالا. وما علينا إلا أن نبدأ الآن قبل فوات الأوان.
ليس أمام كل المتدخلين في هذا الورش إلا استثمار هذه الفرصة وتجنب الأحاديث الهامشية ونشر السلبية لأنها لن تفضي إلى نتيجة إيجابية، وتجنب التسلية بهذا الموضوع في مجالس النميمة واللغو دون مرافقة ذلك بخطوات واقتراحات، وإلا فسنضيع الفرصة ثم نعيد الكلام نفسه ونتجرع الحسرة ذاتها في السنة القادمة.
لم يعد من رهان أمام ” الدّْرِّيرِي” الهارب من العدالة والذي ينعم بإقامة بسويسرا إلا الاستفزاز للفت الانتباه إليه بعدما فشلت كل محاولاته للبقاء في دائرة الضوء والإبقاء على التفاف زبناء مقاولة “فري كلشي” حوله. استنفذ الشيخ – الذي وجد راحته في تأبيد مراهقته- كل جهوده ورقص على كل الحبال ولم يلتفت إليه أحد، ولم يعد لديه ما يخسر لأنه لم يعد عنده رصيد.
انضم المتصابي إلى جوقة المستهدفين للملك قبيل احتفالات عيد العرش ليؤكد بذلك أنه جزء من منفذي أجندة معادية للمغرب. بذل مجهودا خرافيا للترويج لمنشور “proxy” لأن فيه خدمة للمصدر المتلون، ولكنه اكتشف أن لا أحد سيقرأه مثل سابقه، فالناس -وخاصة قراء لغة موليير- سئمت إعادة تدوير المتلاشيات الكلامية.
قرصن المتصابي الذي يبحث عن هوية واسم شهرة “لام ألف” بدلالتها التاريخية ورمزيتها في تاريخ الإعلام المغربي ورمزية من كان وراءها، ولكن أصابه عمى لام ألف (لا) فأصبح زائد صفر (+0) لأنه لا يراكم إلا الأصفار منذ زمن حين تخلى عنه أولياء نعمته وتركوه متشردا عاطلا.
وصف هذا المتصابي النظام في المغرب ب” تَاذرِّيتْ” والرشوق والزواق والأبهة والتفرعين على الدول، وبأنه نظام غير ناضج ولا يحاسب ويصنع عداوات بدون سبب. يصدق في هذا المتصابي المثل “رمتني بدائها وانسلت”، فهو بتلك النعوت القادحة يصف نفسه وحالته. “تادريت” هي أول صفة ملازمة لمن يميل “فؤاده” لبنات رفاقه في “النضال” والرفيقات المراهقات اللائي كان يتباهى عليهن بوضعه الاجتماعي من أموال الفقراء في القروض الصغرى التي لم يكن “أمينا” عليها بالمرة.
الرشوق هي ثاني صفة لازمته طيلة مساره المتقلب والذي تحكمت فيه نزواته وشطحاته على سلم الإيديولوجيا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين كليبرالي متوحش يقتات من الفوائد المقتطعة من جيوب الكادحين.
أول ما يجيبك من يعرف الشيخ المتصابي عن شخصيته أنه “زهواني” و”نشايطي” وأسير لشهواته، وهي سبب مصائبه، بل إنه لم يراع لرفيقه حرمة وكان على علاقة مع زوجته التي كانت حينها على ذمة رفيقه، وقصته في هذا الباب معروفة بين الرفاق ورغم محاولاته إلصاق فضيحته بالمخزن فإنه لم ينجح في ذلك لأن هذا المخزن غير منشغل ب” متصابي” لم يراع لشيبته حرمة ولم يوقر عمره.
كلما خرج هذا المتصابي للعلن فضح نفسه وكشف سذاجته وفضح حقده واقتنع من لا يزال يتابعه بأنه يعيش في الماضي ولا يواكب الحاضر. أضاف إلى الخروج عن الجغرافيا بحكم إقامته بسويسرا شرودا زمنيا وخروجا عن السياق. ما يزال يظن أن المغرب اختار بدون سبب مواجهة بعض الدول في لحظة زمنية معينة انتهت مسبباتها وصنعت اليوم بسببها وضعيات جديدة، ولم ينتبه إلى أن ما قام به المغرب حينها، سواء مع فرنسا أو هولندا أو بلجيكا أو اسبانيا أو ألمانيا أو السويد لم يكن إلا دفاعا عن مصلحة المغرب ووحدته الترابية، واستعمل المغرب في هذه المواجهات آليات وأدوات وأشكال مختلفة ومتناسبة مع درجة الإساءة من كل دولة على حدة. ماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟ وما هو الوضع الذي نحن عليه اليوم مع هذه الدول؟
باطلاع سريع على علاقات المغرب مع هذه الدول يتضح أن الأسلوب الذي اعتمده المغرب أعطى أكله، وأعاد العلاقات البينية إلى سكتها الصحيحة لتبنى على أسس متكافئة وندية إيجابية لها جميعا. الأهم من كل ذلك أن هذه الدول التي لم تكن في صف الوحدة الترابية للمغرب بما كان يطلبه المغرب منها حينها غيرت مواقفها لما اقتنعت أن المغرب جاد في تعامله مع كل من يريد ابتزازه بهذا الموقف، وقد اتضح هذا الموقف جليا في الخطاب الملكي الشهير “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”.
ألف المتصابي الخنوع للأجانب ويظن أن المغرب دولة ترضى بالدونية في علاقاتها مع الأغيار. كان عليه أن يمتلك الشجاعة ويصارح نفسه بأن أسلوب المغرب نجح وكانت نتيجته الاعتراف الإسباني والفرنسي بمغربية الصحراء، وهو ما كان يستبعده هو وأمثاله من الطوابرية.
في أكثر من مرة يتحدث المتصابي عن الكلفة الباهظة لملف الصحراء، وكان الأولى به أن يلوم من يستثمر في إطالة أمد هذا النزاع المفتعل وعرقلة جهود المنتظم الدولي لوضع حد له والتهديد بالعودة لحمل السلاح وخرق اتفاق وقف إطلاق النار.
لقد كان هو وأمثاله ممن يستبعدون أن يحقق المغرب كل هذه الانتصارات ويحصدوا هذه الاعترافات بمغربية الصحراء، بل كانوا من أنصار توسيع صلاحيات المينورسو. اليوم نحن أمام وضع جديد والدائرة تضيق على دعاة الانفصال ومناصريهم، وها هو دي ميستورا في مهمة أخرى نهاية هذا الأسبوع في المخيمات لإجبار هؤلاء على التجاوب مع الإرادة الدولية. والضربة القاصمة الأخرى تلقاها الانفصاليون من منتدى سيول الذي غيبهم عن دورة هذه السنة التي تنعقد تحت شعار “الشراكة من أجل استجابات مشتركة للتحديات العالمية”، واستدعي لها ممثلو 50 دولة إفريقية من أصل 54 دولة تمت دعوتهم. واليوم نحن كذلك أمام إغلاق مستشفى المينورسو وإعفاء 20 إطارا وهذه ليست إلا مقدمات لإعادة النظر في المينورسو وعددها وكلفتها ومهامها ولم يكن هذا ليتم لولا ترافع المغرب الذي تطلب أحيانا اتخاذ مواقف مزعجة للبعض. هذا هو الوضوح الاستراتيجي الذي تبناه الملك تجاه قضية الصحراء ولم يكن لقصور أفهام أمثال المتصابي أن يستوعبوه حينها، ولكن الغريب أنه لا يزال مصرا على ترهاته إلى يومنا هذا رغم أن النتائج التي تحققت تتحدث عن نفسها.
من جهالات المتصابي كذلك حديثه عن الدستور، أو ربما هو يتعمد أن يسوق بأن دستور المغرب لا يفصل بين السلط ولا ينظم العلاقات بينها. أول ما يطلع عليه قارئ الدستور المغربي وجود أبواب وفصول تنظم كل سلطة وتحدد اختصاصاتها، ومن ضمن ذلك صلاحيات واختصاصات الملك.
في تجربة أكثر من عقد من الزمن كان الملك أول حريص على احترام الدستور وترك مساحة لكل سلطة لمباشرة مهامها دون التدخل فيها، حتى أن هناك من فهم من ذلك أفهاما غريبة وغير منطقية، وهناك من تحدث عن غياب الملك، مع أن كل ذلك كان دافعه هو احترام الملك للدستور وحرصه على تنزيله تنزيلا ديمقراطيا. ولا يتسع المكان لبسط أمثلة على ذلك، ويمكن لكل واحد مراجعتها باسترجاع شريط أحداث ما بعد إقرار هذا الدستور.
جلالة الملك حاضر في كل ما يعني مجال عمله، وقد استقبل هذا الأسبوع الأعضاء الجدد بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وجدد الثقة في عدد من أعضائه، ومنهم محمد عبد النباوي الذي عينه جلالته لولاية ثانية رئيسا أول لمحكمة النقض وبهذه الصفة رئيسا منتدبا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، واستقبل كذلك الأعضاء المعينين بالمحكمة الدستورية. الملك حاضر في كل ما يتعلق بمجال اختصاصه ويترك لكل سلطة القيام بعملها في مجال اختصاصها، والكلمة الأولى والأخيرة للشعب في تقييم عملها.
لا مانع عند المتصابي أن يركب قطار الشعبوية إن كان ذلك يوصله لهدفه، أي التشويش على إنجازات المغرب، ولذلك فهو يمطط الكلام عن المديونية وتبخيس المشاريع الكبرى المهيكلة التي أنجزها المغرب خلال هذه الفترة. يتناسى عميد “تادريت” أن المغرب تصدر مؤشر التصنيع الإفريقي 2025 الذي يصدر عن البنك الأفريقي للتنمية لأول مرة بعد أن كانت تتصدره دائما جنوب افريقيا. أليس في علم المتصابي هذا التصنيف؟ أم يتجاهله لأنه لا يخدم أجندته؟
هذا التصنيف الذي يريد البعض إقباره وعدم معرفة المغاربة به ليس إلا نتيجة لاختيار دولة راهنت على التصنيع فحققت إنجازات في صناعة السيارات والطيران والموانئ وغير ذلك كثير. أهم مؤشرات القياس التي يعتمدها هذا التصنيف هي الأداء الصناعي، والمحددات المباشرة مثل الاستثمار والتمويل والبنية التحتية والتعليم، والمحددات غير المباشرة مثل بيئة الأعمال وحكم القانون والدين العام والتضخم.
احتلت مصر المرتبة الثالثة وحلت تونس رابعة واكتفت الجزائر بالمرتبة السادسة وهي التي تتباهى بصناعتها منذ الاستقلال. ومما كشفه التقرير كذلك أن القارة السمراء ما تزال خصبة في هذا المجال وأمامها مستقبل واعد.
لم يشر المتصابي كعادته إلى تطلع فرنسا لزيارة الملك محمد السادس واستباقها للإعلان عن هذه الزيارة من طرف واحد وحديثها عن توقيع مرتقب لاتفاقية تاريخية غير مسبوقة أطلق عليها البعض اتفاقية القرن. لا يريد المتصابي وأمثاله الإشارة إلى هذا الموضوع لأنه يزيد تأكيد أن المغرب قوة مطلوبة وذات جاذبية لأقوى الدول وتنويعه لشراكاته وفق مبدأ رابح رابح جعله يتعامل مع الجميع وفق ما يخدم مصالحه.
لا يفهم حقيقة الارتباط الفرنسي بالمغرب إلا من اطلع على حجم الحاجة الفرنسية للمغرب والتي تتزايد يوما بعد آخر. وطبعا المغرب لم ينف في أي لحظة حاجته لفرنسا وغيرها من الدول الكبرى ولم يتنكر للروابط التي تجمع البلدين على كل المستويات، ولم يقدم المغرب على أي خطوة تفسد هذه الروابط، وهذا ما تعلمه النخبة الفرنسية، وهي التي تبذل مجهودا كبيرا لتصحيح العلاقة بين البلدين وإعادتها لسكتها الصحيحة.
من آخر المنجزات في التعاون المغربي الفرنسي تفكيك شبكة تهريب مخدرات واسعة النطاق بين المغرب وفرنسا، وأهمية هذا الخبر أن مصدره كان هو الدرك الفرنسي مما يسد الباب على دعاة التشكيك في كل شيء، ورسالة هذا الخبر أن المغرب يقوم بدور مهم وجدي في التصدي للجريمة المنظمة العابرة للحدود.
المؤسسة الأمنية لا تعرف غير العمل، وما إن انتهت الأبواب المفتوحة حتى بدأ العداد يشتغل من جديد بإنجازات غير مسبوقة.
من الأولويات المبرمجة في هذا المرفق العمومي تحسين الخدمة المقدمة للمغاربة، ولذلك أشرف حموشي شخصيا على توقيع اتفاقية مع وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة لتحديث وتجويد خدمات استقبال المواطنين بمصالح الأمن الوطني مركزيا وجهويا تنفيذا للتوجيهات الملكية بشأن تجويد الخدمات العمومية وتعزيز البنيات التحتية المخصصة لاستقبال المواطنين.
واستحضارا لما يثيره شغب الملاعب وتأمين الأنشطة الرياضية من مشاكل، ترأس عبد اللطيف حموشي اجتماعي عمل استراتيجيين بالمقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني لتقييم وتطوير بروتوكولات العمل الأمني لمواجهة مظاهر الشغب والعنف التي ترافق بعض المباريات والتظاهرات الرياضية خلصا إلى وضع مخطط للعمل الأمني الخاص بمكافحة الشغب وتعزيز الأمن الرياضي بالفضاءات والملاعب الوطنية. هذا مثال آخر يؤكد على أن النجاحات لا تأتي من فراغ أو مصادفة ولكنها نتيجة عمل استباقي وخطط مدروسة وإعداد مبكر.
من جهالات المتصابي كذلك حديثه عن منع المغرب للصوت الآخر. وأبسط مطلع على المغرب والتعددية التي ينعم بها يستوعب حجم المجهود الذي بذل على هذا المستوى. اعتاد هذا الطوابري أن يتطاول على مؤسسات الدولة بدون رقيب، ويريد غيره من الطوابرية استباحة القانون ورفض الامتثال له لأنهم يتصورون أنفسهم فوق القانون. لعل هذا من أسباب هروب هذا المتصابي من العدالة مستفيدا من “سراح مؤقت”.
ينغص النجاح الحقوقي الذي يحققه المغرب دوليا حياة الطوابرية، ولذلك فهم يبحثون هذه الفترة عن أي قضية للتشويش على المغرب كعادتهم قبيل احتفالات عيد العرش.
طوابري آخر ينضم إلى الحملة ويصطنع كعادته مناسبة ويحيط به مساهمي مقاولة “فري كلشي” المفلسة. إنه مول الجيب الذي يختبئ وراء “الحق في السفر” ومنعه من هذا الحق متجاهلا ملفه الحقيقي الذي يستحيي من ذكره أمام الملأ في ندوة صحافية مصنوعة على مقاسه يغيب فيها الحقيقة وراء منعه وبأن ملفه معروض على القضاء. ألف مول الجيب “الجذبة” و”الحال اللي ما يشاور” ولذلك جاءه الحال هذه المرة بالمطار كما كان في معرض الكتاب ويعرض نفسه لسخرية المغاربة.
لم يعد ينفع هذا الأسلوب للي ذراع السلطات، والرأي العام صار على درجة عالية من الوعي بها ولم تعد تنطلي عليه تلك الأكاذيب.
خريف الطوابرية متواصل وتساقطهم متسارع وفضائحهم تتوالى على رؤوس الأشهاد، وآخرها ما يحدث ل”غاليهم” الذي استرخصته المنظمة التي تمنى تحمل مسؤولية فيها للمزايدة بذلك على رفاقه في الجمعية التي يتأكد يوما بعد آخر أنها درع سياسي لحزبهم البئيس. ها هم يندمون على ذلك اليوم بعد أن اكتشفوا حقيقتها، واكتشف القائمون على المنظمة كذلك حقيقة أمثال هؤلاء المناضلين وزئبقيتهم، ولذلك جردوه من كل مسؤولية ومن الحديث باسمهم.
هي مناسبة للتذكير بما أقوله دائما حول هذه المنظمات. هي مجرد واجهات سياسية لخدمة أجندات دول ولذلك فهي دائما في حالة تماهي معها. ومخطئ من يتصور غير ذلك. وكم أتمنى أن يكون الرفاق استوعبوا الدرس من هذا الحادث.
موعدنا بوح قادم.