الفراغ المهول

الفراغ المهول

A- A+
  • يبدو أن الأحزاب السياسية كما لو أنها قدمت استقالتها بشكل كلي من المشهد السياسي، لم نعد نسمع عنها إلا إذا حدث بين قيادتها خلاف أو نزاع، أو إذا ما عقدت مؤتمراتها التي لم تعد تغري أحدا بالمتابعة..
    لا ديمقراطية بلا مؤسسات قوية، ولا مؤسسات بدون وجود أحزاب تقوم بدورها الأساسي في تأطير المجتمع وتبليغ رسائله إلى صانعي ومنفذي السياسات العمومية، وقد كشفت المسيرات الاحتجاجية لتلاميذ المؤسسات التعليمية، عن فراغ مهول وغياب خطير للوسائط الأساسية للتكوين والتأطير.. وفي مقدمتها الأحزاب السياسية التي كانت في صلب التحول الاجتماعي وتمثل قاطرته الأساسية، أين هي خلايا التلاميذ وجمعيات الأحياء والشبيبات الحزبية بمختلف جمعياتها الموازية التي كانت منخرطة في قلب المجتمع، وأعضاؤها المنظمون هم من يسهرون على التكوين والتأطير، ويكونون في مقدمة كل تحرك اجتماعي وسياسي..
    لقد تراجعت التنظيمات الحزبية التي تفرغ أعضاؤها لبعضهم البعض في “التكوليس”، ونصب الفخاخ، ومحاولة الهيمنة على المؤسسات الحزبية، والبحث عن “الهميزات” وتسلق السلم التنظيمي، وجمع الأتباع وإقصاء المنافسين والكفاءات بطرق خبيثة، وهجم أصحاب الشكارة على الأحزاب المغربية العتيدة ونجحوا في شراء الذمم وسادت الشعبوية وتخلف الوعي السياسي وأصبحنا أمام فراغ مهول وخطير..
    وكان طبيعيا أن يتدنى العرض السياسي، وأن يعيش المغرب أزمة حقيقية على مستوى النخب الجديدة التي أصبحت تأتي إلى البرلمان والحكومة، فالطريقة التي تمارسها بعض الأحزاب وهي السعي إلى استقطاب كائنات انتخابية ومنحها التزكيات لأنها تستطيع الفوز بأي طريقة دون مراعاة قواعد المساواة والتنافس الشريف والشفافية والمصداقية والنزاهة، عملت على تهجين مؤسسات الدولة بالكائنات الجديدة التي أصبحت تكتسح الانتخابات.
    إننا أمام فراغ لا يساعد على الانتقال الديمقراطي، لأن التطور لا يكون فقط في البنيات التحتية والقناطر والمشاريع الكبرى على أهميتها وضروريتها، بل في الإنسان.. في المواطن الذي ستسخر له هذه المنجزات، والذي يجب أن يكون مؤهلا ومستوعبا لقيم استعمال الفضاءات العامة، وعلى السلوك المدني الحضاري، وهذا ما لا نراه اليوم، للأسف.. لقد قدمت الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني استقالتها…
    لا نقصد التهويل ولكن تقاعس الأحزاب السياسية حقيقة، وليس منتوج خيال، وغياب التنظيمات الحزبية عن ساحة الحراك الاجتماعي وتأطير وتنظيم المواطنين، لقد أصبحت الأحزاب عقيمة، ولا تستقطب سوى “مالين الشكارة” ورموز الإقطاع، وتقصي الكفاءات والأطر، ولا يوجد الشباب على رأس أجندتها، وبرامجها متخلفة عن الواقع وأدوات اشتغالها عتيقة، وخطابها لا يحرك شخصا واحدا في قاعة ما ليضرب “الرش”، وقياديو أغلب الأحزاب لم يعد لهم ارتباط بالمجتمع، وزعماؤها لا يستطيعون الترشح أكثر من مرة في نفس الدائرة الانتخابية إلا من رحم ربك، لذلك تجدهم اليوم في دائرة وغدا في أخرى، يتنقلون مثل قطع الشطرنج لأنهم ما أن يفوزوا في الانتخابات حتى يغلقوا دكاكينهم السياسية ويستقروا في الرباط العاصمة، ويغيروا هواتفهم وسياراتهم ومنازلهم وحتى نساءهم إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا..
    سلوكات النخب الحزبية بميولاتها الانتهازية والبراغماتية، وضعف الخطاب السياسي وغياب بنيات استقبال لتأطير المجتمع، هو السبب في عزوف الشباب عن السياسية، وفقدان الجيل الجديد ثقته في المؤسسات بشكل عام، وهذا أمر لا يمكن أن نستهين به لأنه سيعصف بكل التراكم الديمقراطي الذي حققه المغرب حتى اليوم، والذي جاء نتيجة تضحيات جزء كبير من مناضلي هذه الأحزاب العتيدة خاصة والتي لم تأت بقرار إداري، بل كانت جزء من المخاض الاجتماعي والتاريخي بالمغرب، لذلك تقع مسؤولية كبرى اليوم على الأحزاب السياسية العتيدة وخاصة القيادات الجديدة التي لا يمكن التشكيك في وطنية وغيرة بعضها، لتجويد العرض السياسي، وجعل الفكر والثقافة جزء من النضال السياسي، ومحاولة تقويم الانحرافات والأمراض التي اكتسحت أحزابها وتنظيماتها الموازية، وأن تصالح المواطنين مع السياسة عبر إعادة الثقة فيها ومحاربة اليأس والاستسلام لطوفان الانتهازية.. فهذا الفراغ مهول وخطير…

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    تم تسجيل الفيديو بنجاح، سيتم نشره بعد المصادقة عليه
    *
    التالي