بوح الأحد: أربعينية العدل و الإحسان و عُقَدِهَا و حقيقة الصحبة في سيارة كبير..

بوح الأحد: أربعينية العدل و الإحسان و عُقَدِهَا و حقيقة الصحبة في سيارة كبير..

A- A+
  • بوح الأحد: أربعينية العدل و الإحسان و عُقَدِهَا و حقيقة الصحبة في سيارة كبير فقهاء الجماعة بمكناس، خريف الطوابرية المستمر و أشياء أخرى

    أبو وائل الريفي
    تفتقت “عبقرية” سدنة معبد جماعة العدل والإحسان عن طريقة لإعادة بعث الروح في جسم جامد سرى فيه الفتور واللامبالاة والتشتت والخلافات بعد كل محاولات الإحياء السابقة التي اتخذت لها شعارات وأشكال مختلفة حتى نتج عن ذلك بيئة صارت أشبه بالبركة الآسنة التي تعفنت مياهها ولم تعد تصدر سوى الانبعاثات الكريهة التي تؤذي الأتباع قبل الأغيار.
    عجزت قيادة الجماعة عن لم شملها الممزق واحتواء تياراتها المتصارعة وستر غسيلها بعد الفضائح المالية والأخلاقية التي انتشرت بين أتباعها وعلى مواقع التواصل الاجتماعي فارتأت أن تلعب دور المظلومية لتنسب فشلها لعامل خارجي، ولن تجد كالعادة غير “المخزن”، ولكنها فشلت في تسويق هذا السبب لأتباعها الذين باتوا يعون جيدا أن الخلل ذاتي يكمن في قيادة مستبدة وجامدة تراكم امتيازات على حساب الأتباع ومصلحتها في إدامة الجمود مخافة دينامية تهدد بتحريك المواقع الموروثة.
    فكرت الجماعة في إنعاش نوستالجيا، بما تعنيه الكلمة من الحنين إلى الماضي، لشد انتباه الأتباع، فقررت بعد طول تفكير إحياء ذكرى التأسيس لعلها تكون مناسبة للم شمل الصف وتنشيط الفاترين واستعادة “المتساقطين على طريق الدعوة” كما كان يسميهم الإخواني اللبناني فتحي يكن. وهنا يبرز أكبر إشكال لدى الجماعة!!! إنها بدون تاريخ موحد ومعروف ومتفق عليه لميلادها. نعم هذه هي الحقيقة، وهذه هي أكبر عوائق عدم تخليد هذه الذكرى طيلة العقود السابقة في عهد الشيخ المقدس/المؤسس. وهذا الخلاف لم يحسم نهائيا في عهده حيث لم يكن يجرؤ أحد من القيادة الحالية على حسم التاريخ أمامه.
    هناك من الأتباع المخرفين والمهلوسين من يربط تأسيس الجماعة بميلاد شيخها سنة 1928، وغير خاف على المتابع الخلفيات الصوفية لهذا الربط التي تقدس الشيخ وتعطيه مكانة أقرب إلى العصمة، ولكن القليل من يعرف الخلفية السياسية لهذا التأريخ التي تكمن في هوس السبق الذي لا يرضى أن تكون هناك جماعة إسلامية أسبق من جماعة الشيخ ياسين وخاصة في ظل المنافسة مع الإخوان المسلمين التي تأسست في نفس سنة ميلاد الشيخ. هؤلاء نفر قليل في الجماعة ولكنهم موجودون و مسلوبو العقل وهم أقرب إلى السحر والتخريف ويعيشون في عالم معزول عن المغاربة وسط الأحلام التي تحولت في أكثر من مناسبة إلى كوابيس.
    وغير بعيد عن هؤلاء، هناك فئة ثانية تربط تأسيس الجماعة بالميلاد الثاني، يسمونه ميلادا روحيا، للشيخ؛ وهو تاريخ انتسابه للزاوية البودشيشية، وهؤلاء لا يخفون طابعهم الصوفي، ومنهم قياديون بارزون من الصف الأول للجماعة، وإن كانوا يتسترون على عدم رضاهم بتملك أمر الجماعة من طرف القيادات السياسية التي يرونها تحرف خط الجماعة “الأصيل”.
    وهناك فئة ثالثة تربط تأسيس الجماعة بخروج الشيخ من الزاوية البودشيشية وشروعه في بناء مشروع مختلف يمزج فيه بين السياسة والتصوف، أي يحقق فيه ما عجز وفشل عن تحقيقه في الزاوية التي تنبه رعاتها مبكرا لطموحاته وأطماعه السياسية فوقفوا لها بالمرصاد مما اضطره إلى المغادرة بعدما فشل في إقناع الشيخ بأنه الأجدر بخلافته وتولى خلافته ابنه حمزة البودشيشي. هذه الفئة كثيرة وسط الجماعة وموجودة في كل مستويات القيادة وكانت تعترض دائما على أي تأريخ لميلاد الجماعة لا يأخذ كتابات ومواقف الشيخ في السبعينيات بعين الاعتبار. ولا يخفى على أحد أسباب هذا التمسك لأن هذا التيار يرى بأن الجماعة هي الشيخ ولا وجود للجماعة بدون الشيخ ومن الحرمان القطع مع هذا التراث.
    كيف تجاوزت الجماعة اليوم كل هذه التيارات وتخلت عن كل هذه الفئات وانتصرت لتاريخ جديد للميلاد حددته في سنة 1983 وهي السنة التي تقدم فيها الشيخ والرعيل الأول من أتباعه بطلب تأسيس جمعية أرادوها دينية تحت غطاء سياسي؟
    التحديد الرسمي اليوم لميلاد الجماعة والحسم بأنه كان سنة 1983 يؤشر على رغبة الجماعة وقيادتها في إيقاع الطلاق النهائي مع مرحلة الشيخ وعدم البقاء في جلبابه والتحرر من تراثه، وهذا ما جعل قياديا من الصف الأول هو عبد الله الشيباني صهر المرشد يغتنم المناسبة ليغرد خارج سرب القيادة ويؤكد في “سمره النبوي” أن تأسيس الجماعة يعود للسبعينيات، واليقين أن هناك في أعلى مجلس للجماعة من يشاطره هذا الرأي ولكنهم يمارسون التقية مخافة العزل.
    لا يوازي هوس التخلص من إرث الشيخ لدى قيادات الجماعة إلا هوس لا يقل عنه، ويتمثل في كسب اعتراف رسمي من الدولة بمنطق الجماعة وليس بمنطق الدستور والقانون حيث تظن الجماعة نفسها فوق القانون وأكبر من غيرها من الهيئات وينبغي للدولة أن تخضع لها وهو ما رفضته مؤسسات الدولة مرارا، وهوس ثالث صار يحكم كل خطوات الجماعة وهو كسب تعاطف اليسار الذي ترى فيه الجماعة حاضنة تستقوي بها وتخرج بها من عزلتها التي طالت كثيرا حتى أصبحت كابوسا مزعجا للأتباع والقيادة على حد سواء.
    لقد كان باديا أن الذكرى الأربعين للجماعة في هذا السياق لن تكون إلا إعلانا رسميا للفشل لأن العطار لن يصلح ما أفسدته العقود السابقة. كان واضحا أن الذكرى الأربعين ستكون في الحقيقة أربعينية للجماعة، وأن طابعها الاحتفالي يخفي حقيقة أنها عزاء في هذه الجماعة التي رافق مسارها عقد متعددة كانت هي الضربات القاصمة لها من حيث كانت تظن أنها عناصر قوتها.
    عقدة الجماعة التاريخية والأبدية هي الجانب الأخلاقي والصوفي، حيث تسوق دائما أنها ملاذ أخلاقي للشباب بينما فضائحها الأخلاقية متواترة تثبت أن الأخلاق ليست إلا واجهة للجماعة لتغطية المآسي الخلقية داخلها والتي صارت منتشرة ولا نحتاج للتذكير بالسقوط المتكرر لقادة منها في مستنقع الرذيلة لمن يزايد بالأخلاق على غيره. ولنا عودة مع نقيب الجماعة المسؤول الكبير وأحد الاثني عشر نقيبا الكبار الموزعين بين أقاليم التنظيم.
    العقدة الثانية للجماعة هوياتية، حيث تسوق دائما على أنها جماعة صوفية معتدلة موسومة بالتدين المغربي لتنفي عنها طابعها الإخواني المشرقي والشيعي والذي لا تخطئه عين المراقب لتاريخها. فرخت الجماعة أعدادا من الأتباع وجدوا ضالتهم في التشيع ومنهم من يتموقع اليوم في المسؤولية في حوزات في النجف وقم وغيرهما من البقاع المقدسة الشيعية وحوزاتها. ومن يُكَذِّب من الجماعة نأتيه بالأسماء من رموز الجماعة المتشيعين. أما الطابع الإخواني للجماعة فلا تخطئه عين مراقب لتنظيمها المقتبس من تنظيم الإخوان في مصر.
    العقدة الثالثة للجماعة مواطناتية، حيث تكفر الجماعة بالوطن والمواطنة ولا ترى في المغرب سوى قطر وليس وطنا ودولة ذات سيادة بل هو قطر من أقطار الخلافة الموعودة التي ظل الشيخ المؤسس يردد أن قرنها حل فمر القرن ورحل الشيخ واتضح أنها وهم لا تصدقه إلا مخيلة الأتباع الغارقين في الأحلام.
    العقدة الرابعة للجماعة سياسية، حيث تريد إسباغ طابع ديمقراطي على ذاتها رغم أن أدبياتها تكفر بالديمقراطية وممارستُها أبعد ما تكون عن الديمقراطية. أرادت الجماعة إظهار نفسها منفتحة على النقد وغير معزولة سياسيا فلجأت إلى تقليد عرف “نحن بعيون الآخرين”، ولكنها فشلت في التمرين فأحرى لو عرضت نفسها على اختبار حقيقي. اختار دهاة الجماعة بانتقائية الآخرين الذين يُسمح لهم بانتقادها بما يكشف أن شرط الاختيار هو الآخرون الذين يرون الجماعة بنظاراتها والآخرون الحريصون والطامعون في تضامن الجماعة من الطوابرية المعولين على الاستقواء بها وقت الحاجة ولذلك فهم يغضون الطرف عن حقيقتها. ألم يكن الأولى قبل هذه المرحلة أن تتحلى الجماعة بالشجاعة الكافية لتنظيم ندوة الجماعة بعيون أبنائها المقصيين أولا؟ ألم يكن الأولى أن تجيب عن الأسئلة العالقة التي طرحها مشاركون في ندوات سابقة ومنها أسئلة المعطي مول الجيب والتي كانت سببا في عدم دعوته لندواتها؟ لقد كان لافتا أن يصف مثلا عبد الله الشيباني أصحاب الرأي المخالف داخل الجماعة ب”المنحرفين”. هذه وحدها تبين عمق الثقافة الديمقراطية السائدة وسط الجماعة.
    العقدة الخامسة عند الجماعة تكمن في تصديقها لوهم أنها صمام أمان هذه الدولة متناسية أنها في الحقيقة خزان احتياطي ووعاء تمهيدي للانتحاريين الذين كشفت التحقيقات مع عدد منهم أنهم مروا من هذه الجماعة وتلقوا مبادئهم المتطرفة منها. والحقيقة أن الجماعة تُنزل نفسها في منزلة لا تستحقها بهذا الادعاء وتتناسى الدور الذي تقوم به مؤسسات الدولة الدينية وحماة الجدار الذين يتصدون بشكل وقائي وعلاجي للفكر والعمل المتطرفين ونجحوا في ذلك بشهادة العالم أجمع. تريد الجماعة كعادتها السطو على مجهود الغير، كما تفعل مع اليسار، ونسبته لنفسها، ولكن هيهات أن يحصل هذا مع من نذر نفسه لخدمة هذا الوطن بتجرد ومن خلف لوجه الله والوطن ودون انتظار جزاء أو شكر.
    أربعينية الجماعة هي التسمية الحقيقية لذكراها لأن الجماعة قتلت نفسها بنفسها باختياراتها الخاطئة ورهاناتها الفاشلة وشعاراتها الزائفة ونفاقها الواضح. وتشاء الصدف أن تتزامن أربعينيتها مع فضيحة أحد نقبائها الاثني عشر في الدعوة والتربية، وهو المتصدر لمجال الخطابة في قناة الجماعة ومؤسساتها بالعربية والأمازيغية، ومسؤولها الأول في شطر مهم من المغرب الذي تتصوره الجماعة مجرد قطر وتعارض التقسيم الإداري الذي تعتمده المملكة كإشارة أنها تقيم دولة وسط الدولة بتسميات مستقلة ومخالفة للتسميات الرسمية. لقد تم ضبط النقيب الكبير للجماعة في حالة تلبس وهو في حالة خيانة زوجية مع سيدة مطلقة وأم لطفل كان يستغل هشاشتها وحاجتها وضعفها، قبل أن يتبين أن له ضحية أخرى في انتظار ما يمكن أن تحمله هذه الفضيحة من مفاجآت فجرت الطابو المسكوت عنه وسط الجماعة التي تمدح نفسها بإطراء مبالغ فيه حين تظن نفسها ملاذا أخلاقيا!!!
    أنانية الجماعة ونرجسية قياداتها وحرصهم على مصالحهم كانوا السبب في التضحية بالنقيب الكبير (م.ب) وتقديمه قربانا للحفاظ على “طهارة مصطنعة” للجماعة. شهروا به بدون سبب، ونشروا اسمه بدون داع، وتداولوا صوره مع أن لا شيء يدفعهم لذلك، وأمروا زوجته بعدم المثول لمعرفة حقيقة الملف حتى لا تضطر للتنازل بعد اكتشاف حقيقة زوجها وتطويق الفضيحة التي لا يرضاها عدو لعدوه. دافع الجماعة كان هو الانتصار للتنظيم على الشخص لأن في عرفهم أن التنازل اعتراف والاعتراف سيد الأدلة والاعتراف هدم لكل البرنامج والأهداف وراء تخليد الأربعينية. وهذا ما لا يرضاه سدنة المعبد المراهنين على المناسبة لإحياء التنظيم الميت وتحريك مياه راكدة فاحت رائحتها نتيجة الجمود الطويل.
    أكبر خطأ وقعت فيه قيادة الجماعة هو حالة الإنكار الشامل لحقائق يعرفها أتباع الجماعة في مكناس الذين على دراية ب”خفة” ونزقية “الفقية” (م.ب)، ولو تشاوروا معهم لسمعوا حكاياته مع أمثال ضحيتيه.
    يقول المثل المغربي “لا حيلة مع الله” وقد تجلى هذا المثل في هذه المناسبة. تأكد أن الجماعة تخرب بيتها بأيدي قياداتها وأتباعها، وانفضحت حقيقة ادعاءاتها الطهرانية، وانكشف شعارها الحقيقي “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. كان الأولى للجماعة التريث وعدم استباق نتائج التحقيق والحكم ببراءة نقيبهم الكبير قبل أن يستمعوا إليه أو يطلعوا على اعترافاته وشهادات ضحاياه، ولكنها فضلت استعراض قوتها في الشارع والتي كانت استعراضا لضعفها وتعرية لحقيقتها التي لن تغطيها صعلكة الذي يتذكر في مثل هذه المناسبات مغامراته في الجديدة أيام زمان.
    خريف الطوابرية واحد. يتساقطون واحدا تلو الآخر. يتساقطون جماعات وأفرادا. يعري حقائقهم الواقع الذي لا يرتفع وأفعالهم وأقوالهم التي تكشف ضحالتهم وفراغهم المعرفي والقضايا الخاسرة التي يدافعون عنها. أصبحت الهزائم المتتالية للطوابرية حقيقة، والبحث عن إيقاف النزيف يجعلهم يبحثون عن انتصارات وهمية لا تصدقها حتى مخيلاتهم فكيف يصدقها الرأي العام. لقد كشفت ندوة تناوب على منصتها “حقوقيون” ليحاضروا في مزايا ومناقب القرار حول سليمان الريسوني التناقض بينهم. كيف يختلف حقوقيون ينطلقون من مرجعية حقوقية كونية واحدة في توصيف حقوقي لحالة سليمان بين من يصفها اعتقالا تعسفيا كما هو حال وريث أمنستي وبين ناطق هيومان رايتس ووتش الذي لا يضفي على اعتقاله هذه الصفة؟
    هذه واحدة من ملاحظات كثيرة تؤكد أن هؤلاء الطوابرية جميعا يتحدثون بلغة سياسية ومن موقع الحاقد على السلطة ويصرون على إضفاء طابع حقوقي على مواقفهم السياسية لأنهم على دراية تامة أنها مواقف لن تجذب متعاطفين. هؤلاء جميعا لا يهمهم سليمان وما يخدم ملفه، كما لم يهمهم بوعشرين وما يمكن أن يقلص عقوبته حين أمروه بنفي الاعتراف والتمسك بالطابع الرضائي للعلاقة التي جمعته مع ضحاياه والمشتكيات به، كما لم يهم قيادات العدل والإحسان مصير نقيبهم حين أمروا زوجته بعدم المثول أمام القضاء للتنازل عن الخيانة التي ضبط فيها زوجها متلبسا.
    محمد الغليظ المتخفي في جبة الإسلامي الذي اكتشف الآليات الأممية والتي يجتهد في استعمالها لتحقيق نجاح في مجال القانون الذي يحرص على التشبث بالقراءات الشاذة لنصوصه طالما أنها تخدم أهواءه القانونية. هذا الفاشل المغَرِّق لأصدقائه لينتشي هو بانتصارات وهمية ظل يمدح هذه الآليات ويعطي لقراراتها صبغة إلزامية متعسفا على الدستور المغربي وسيادة الدولة والمواثيق الدولية لأنه يخشى من انكشاف فشله في الاستشارات المغلوطة التي عمل بها ضحاياه. العادي إذن أن يتشبث بأكثر من اعتبار اعتقال سليمان تعسفيا ومحاكمته غير عادلة وأنه يستحق الإفراج والتعويض السخي، ولكن ليس عاديا أن يلبس من يمثل جمعية حقوقية قبعة السياسي ويتحدث بلسان حقوقي لأن في ذلك تدليس على الرأي العام. ترى ماذا كان يمكن أن يكون عليه وضع هؤلاء جميعا لو أنهم فتحوا المجال لوجهة نظر مخالفة تمثلها ضحية من ضحايا أصدقائهم أو عضو من هيئة الدفاع عن الضحايا؟
    لا يمكن إنكار تمتع كل من سليمان وبوعشرين وعمر راضي وغيرهم بضمانات المحاكمة العادلة، ولا يمكن إنكار وجود ضحايا ووقائع ثابتة، ولا يمكن تنزيه أصدقائهم إلى هذه الدرجة التي يريدون أن يصوروهم بها كأن الدولة لا شغل لها سوى تلفيق تهم ضد أصحاب أقلام مزعجة مع العلم أن كتاباتهم كانت تتداول وتنشر بشكل عادي ولم يكن مضمونها يشكل أي إزعاج لدولة جعلت الخيار الديمقراطي ثابتا في دستورها.
    مثل هذه الندوات هي المنافذ المتبقية لصرخات وأنين الطوابرية وهم ينقرضون من المشهد العام ببطء نتيجة ما كسبت أيديهم من أخطاء وخطايا، وهم يبحثون على من يحملونه أوزارهم.
    ها قد انتهت قمة الجزائر التي حملت عنوان القمة العربية واختار لها النظام العسكري بقصر المرادية توقيتا يتناسب مع مناسبة داخلية للبلاد ليضفي عليها طابعا احتفاليا يخرج البلاد من عزلتها. فماذا حدث؟ وماذا كانت النتيجة؟
    اكتشف العالم عزلة الجزائر، ووزنها الحقيقي في العالم العربي، وفشلها في تنظيم قمة عربية، ومحدودية دبلوماسيتها، وضعفها في قيادة القمة للخروج بتوصيات في مستوى تحديات المرحلة. وربما يكون النجاح الوحيد الذي حققه تبون هو حيلولته دون صدور توصيات صارمة ضد التهديدات التي تطال المنطقة من طرف إيران وتركيا. وهذه هي الحقيقة التي اكتشفها العرب منذ بدايات الإعداد للقمة وجعلت تجاوبهم معها يكون في أدنى مستوياته. لم تغط الشعارات الشعبوية حول دعم فلسطين على حقيقة الفشل الذي رافق القمة حتى آخر لحظاتها بسبب حرص نظام العسكر على أن يخوض حربا بالوكالة لفائدة إيران.
    اكتشف الرأي العام أن وصف نظام قصر المرادية بالعسكري حقيقة ثابتة وهو يرى شنقريحة “يتبندر” في القاعة والأضواء مسلطة عليه أكثر من غيره وكأنه الرئيس الفعلي للبلاد والقمة.
    اكتشف العرب أن لم الشمل ادعاء فقط والحقيقة أنها كانت أبعد عن هذا الوصف. كشفت القمة أن البهرجة الخطابية تنتقل بالوراثة عند البعض الذي يرى في هذه المناسبات فرصة ذهبية للتنفيس عن الذات وادعاء إنجازات والتعبير عن نقيض أفعاله كما هو شأن قيس تونس الذي شتت تونس وشمل التوانسة ويطالب العرب بلم الشمل والوحدة بطريقة ممجوجة جعلت تبون ينصت إليه بسماعات لا يدري المشاهد هل هي للترجمة أم أنه كان منشغلا عن خطبة قيس بالاستماع إلى شيء آخر، وكما هو شأن تبون الذي دعا إلى لم شمل الجميع وتناسى أنه كمن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه وهو الذي يقاطع من جانب واحد دولة جارة له. إنها قمة العبث باختصار.
    سؤال ما بعد القمة هو أهم مؤشر على نجاحها أو فشلها. وما بعد القمة يتضمن تهديدات إيرانية للعرب، وتوسع إيراني في منطقة شمال إفريقيا، وطبول حرب تدقها الجزائر وهي ترفع بشكل غير منطقي ميزانية تسلحها، وشعارات من أجل القضية الفلسطينية سوف نتابع مدى تحققها، وتسابق على ملفات يشتغل من أجل لم شمل فرقائها دول أخرى حتى لا ينسب النجاح لغير الجزائر.
    إلى اللقاء وموعدنا بوح آخر.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي